السيد كمال الحيدري
434
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
وأوضح منه ما نجده في قصّة يوسف الصديق عليه السلام ، فقد جاء فيه قوله تعالى : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِينَ ( يوسف : 24 ) ، فصرف السوء عنه بمعنى الدفع لا الرفع ، فإنَّ رفع السوء عنه دليل الوقوع فيه أوّلًا ، وهو منفيّ بقرينتين لفظيّتين ، الأولى قوله : لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ، والثانية قوله : لِنَصْرِفَ عَنْهُ ، وهذا الدفع داخل في معنى الإخراج ، فالإخراج الإلهي من الظلمات إلى النور لا يعني بالضرورة أن تكون هنالك حالة سابقة واقعة ، فالوقوع الموافق للرفع مصداق أبرز للخروج ، وأما الإمكان الموافق للدفع فهو مصداق أيضاً ولكنه أخفى ، وخفاؤه عرفي وليس حقائقياً . ولعلَّ الأصرح من ذلك كلّه هو ما حكاه القرآن عن يوسف الصدّيق أيضاً في قوله تعالى : . . . إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللهِ مِن شَيْءٍ . . . ( يوسف : 37 - 38 ) ، فترك الشيء يقتضي الدخول والكينونة فيه مسبقاً ، وبمقتضى ذلك يكون نبيّ الله يُوسف عليه السلام قد دخل في ملّة الكفر واعتقد بها ثم خرج منها ليتبع ملّة آبائه الأنبياء عليهم السلام ، ومن الواضح بأنَّ هذا باطل عقلًا ونقلًا ، فالنبي لا يُجتبى ويكون نبيّاً إلا إذا كان مُفارقاً للظلم مطلقاً ، فضلًا عن الشرك الذي ليس بعده ظلم ، فليس بعد الشرك ذنب ، وعليه لا يكون تركه لملّة الكفر فرع دخوله فيها ، وخروجه منها بمعنى الرفع ، وإنما هو ترك بمعنى الدفع ، وهو كما عرفت من معاني الإخراج الإلهي ، وما جاء في ذيل الآية الثانية قرينة لفظية على كون الترك بمعنى الدفع لا الرفع ، وهو قوله : مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللهِ مِن شيْءٍ . . . ، أي : لم يقع منهم الشرك طرفة عين أبداً . ومن الواضح بأنَّ كلمة : مَا كَانَ تأتي لنفي الشأنية لا لنفي الفعلية ،